السيد عباس علي الموسوي

290

شرح نهج البلاغة

( ثم أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم ، مثل الذي التبس عليهم فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة ، ورجوت أن يوفقك اللّه فيه لرشدك ، وأن يهديك لقصدك فعهدت إليك وصيتي هذه ) هكذا يبحث الأب الشفيق الواعي العاقل عما يصلح ولده الضعيف الرقيق الناشى ء ، إنه لا يتركه في مهب الريح تتلاعب به وتقذفه من جانب إلى جانب ومن جهة إلى أخرى ، بل إن الوالد باعتباره قد مر بتجربة سابقة عليه وأدرك مواطن الخطر والانزلاق ومواطن القوة والصمود ، إنه يدرك بعد أن مر بهذه التجربة أغلب الشبهات التي تحركت في عقله وأثارها أمامه غيره ، ورأى بأم عينه كيف زلت أقدام كثير ممن عاصروه نتيجة هذه الشبهات التي لم يجدوا حلالها ، أو لم يسألوا عن حلها فاستحكمت في نفوسهم واستعصى قلعها ، فكفروا بعد إيمان ، وضلوا بعد هدى ، وانحرفوا بعد استقامة . إن الأب الواعي المدرك لهذه المخاطر لا يترك أولاده في متاهات ومجاهل لا يعرف سلامتهم فيها ولا نجاتهم منها ، بل يبادر إلى وضع خطوط عريضة تتعين من خلالها وجهة المسير وحدوده ومقدار سعته وضيقه . . . إن إيضاح الطريق ووضع المعالم البارزة التي توصل إلى الهدف من أهم ما يتوجب على الأب . ومن هنا بادر الإمام إلى بيان هذه النقطة بعد أن كان عازما على عدم ذكرها إنه عاد إلى بيانها وتوضيح الحق فيما اختلف فيه الناس واشتبه الأمر على بعضهم فيه . . . إن بيان هذه القضية المشتبه فيها وإبراز معالم الحق فيها أولى من ترك هذا الولد وشأنه في معركة قد لا تكون لصالحه . إذ ربما غلبت الشبهة على عقله واستحكمت وعندها تكون الهلكة التي تقود هذا الإنسان إلى خطر ما بعده خطر آخر . إنه خطر العقيدة التي يصغر عندها كل خطر آخر ، إنه خطر الإيمان الذي ربما تزلزل فهوى بصاحبه إلى نار جهنم ، وعندها تكون الكارثة الكبرى التي تهون عندها كل الكوارث الأخرى . ( واعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوى اللّه والاقتصار على ما فرضه اللّه عليك . والأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك والصالحون من أهل بيتك ، فإنهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر وفكروا كما أنت مفكر ، ثم ردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا والإمساك عما لم يكلفوا ) تقوى اللّه واجتناب محارمه من أهم الأمور وأوجبها على الإنسان المسلم فلا يفيد عمل بدون تقوى ولا تثمر تضحيات بدون تقوى ولا ينفع اجتهاد بدون تقوى . . . بالتقوى تتفاضل الناس وبها تقترب من اللّه . والتقوى كما يفسرها الصادق ( ع ) : أن لا يفقدك اللّه حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك .